أحمد مصطفى المراغي
33
تفسير المراغي
لمستعمراتها ، وقد نقش حكامها في صدورهم ذلك الدستور الذي ساروا عليه « فرّق تسد » وطالما أجدى عليهم في سياسة تلك البلاد ، التي يعمّها الجهل ويطغى على أهلها حب الظهور . ويرضون بالنّفاية والقشور . رحماك ، اللهم رحماك ، بسطت لعبادك سنتك في الأكوان ، وأبنت لهم طبيعة الإنسان ، وأنه محب للظلم والعدوان . والظلم من شيم النفوس فإن تجد * ذا عفة فلعلة لا يظلم ( يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ ) أي يجعل جماعة منهم أذلاء مقهورين ، يسومهم الخسف ، ويعاملهم بالعسف ، وهم بنو إسرائيل . ثم فسر هذا الاستضعاف بقوله : ( يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ) أي يذبح أبناءهم حين الولادة ، وقد وكل بذلك عيونا تتجسس ، فكلما ولدت امرأة منهم ذكرا ذبحوه ، ويستبقى إناثهم ، لأنه كان يتوجس خيفة من الذكران الذين يتمرسون الصناعات ، وبأيديهم زمام المال ، فإذا طال بهم الأمد استولوا على المرافق العامة ، وغلبوا المصريين عليها والغلب الاقتصادي في بلد ما أشدّ وقعا وأعظم أثرا في أهلها من الغلب الاستعمارى ، ومن ثمّ لم يشأ أن يقتل النساء . روى السّدّى أن فرعون رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتغلت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل ، فسأل علماء قومه ، فأخبره الكهنة أنه سيخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك مصر على يديه ، فأخذ يفعل ما قص علينا الكتاب الكريم . قال الزجاج : والعجب من حمق فرعون ، فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقا عنده فما ينفع القتل ، وإن كان كاذبا فلا داعى للقتل ا ه . ولا يعنينا من أمر هذه الرواية شئ فسواء صحت أو لم تصح ، فإن السرّ المعقول ما قصصناه عليك أوّلا .